عبد الشافى محمد عبد اللطيف

82

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

إن لم تبتعد عن طريق الدعوة ، وأن تكف عن ملاحقة المسلمين بالأذى ، وإن لم ترفع أذاها عن المستضعفين من المسلمين ، الذين حبستهم في مكة ، وحالت بينهم وبين الهجرة إلى المدينة ، فسوف يهدد الرسول تجارتها ، بل مصدر عزها ومجدها وثرائها ، وتفوقها على غيرها من قبائل العرب . فإن هي أفاقت لنفسها ، وإلّا فلتأت الضربة القاضية . * قريش تستمر في إلحاق الأذى بالمهاجرين : لم تكتف قريش بما صنعته بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم والمسلمين في مكة طوال ثلاثة عشر عاما ، وما أذاقتهم من الأذى والاضطهاد ؛ فمن تعذيب جسدي لأصحاب النبي ، إلى تجويع وحصار اقتصادي واجتماعي ، إلى غير ذلك من الجرائم الوحشية التي ارتكبتها في حق الجماعة المؤمنة ، بل إنها صعدت جرائمها إلى حد التامر على قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلم مما اضطره أن يهاجر من مكة - أحب بلاد اللّه إليه - ولم تترك المسلمين في موطنهم الجديد في المدينة المنورة وقد أجبرتهم على ترك ديارهم وأموالهم يمارسون شعائر دينهم ، ويدعون إلى اللّه في حرية وأمان ، بل أخذت تلاحق المهاجرين منهم لتردهم إلى مكة وتفتنهم عن دينهم ، وتضعهم في السجون ، وتحرمهم من حريتهم ، متجاوزة بذلك كل الأعراف والتقاليد ، ولم ترع لأحد حرمة . فقد روى نافع مولى عبد اللّه بن عمر عن عبد اللّه عن أبيه عمر بن الخطاب رضى اللّه عنهما أنه قال - أي عمر - : « اتّعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعيّاش بن أبي ربيعة ، وهشام بن العاص بن وائل السهمي التّناضب « 1 » من أضاة بني غفار فوق سرف ، وقلنا : أيّنا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه ، قال : فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التّناضب ، وحبس عنها هشام ، وفتن فافتتن . فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو ابن عوف بقباء ، وخرج أبو جهل بن هشام والحرث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة ، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما ، حتى قدما علينا المدينة ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بمكة ، فكلّماه - أي : عيّاش - وقالا : إن أمّك قد نذرت ألايمس رأسها مشط حتى تراك ، ولا تستظل من شمس حتى تراك ، فرقّ لها ، فقلت له : يا عياش ، إنه واللّه إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ، فو اللّه لو قد آذى أمّك القمل

--> ( 1 ) التّناضب اسم موضع بالقرب من مكة ، الأضاة : الغدير يجمع من ماء المطر ، سرف موضع بين مكة والمدينة .